فخر الدين الرازي
172
تفسير الرازي
ليل وثالثها : قول قتادة : أنها كانت تعير رسول الله بالفقر ، فعيرت بأنها كانت تحتطب والرابع : قول أبي مسلم وسعيد بن جبير : أن المراد ما حملت من الآثام في عداوة الرسول ، لأنه كالحطب في تصيرها إلى النار ، ونظيره أنه تعالى شبه فاعل الإثم بمن يمشي وعلى ظهره حمل ، قال تعالى : * ( فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً ) * وقال تعالى : * ( يحملون أوزارهم على ظهورهم ) * وقال تعالى : * ( وحملها الإنسان ) * . المسألة الثالثة : امرأته إن رفعته ، ففيه وجهان أحدهما : العطف على الضمير في سيصلى ، أي سيصلي هو وامرأته . وفي جيدها في موضع الحال والثاني : الرفع على الابتداء ، وفي جيدها الخبر . المسألة الرابعة : عن أسماء لما نزلت * ( تبت ) * جاءت أم جميل ولها ولولة وبيدها حجر ، فدخلت المسجد ، ورسول الله جالس ومعه أبو بكر ، وهي تقول : مذمماً قلينا ودينه أبينا وحكمه عصينا فقال أبو بكر : يا رسول الله قد أقبلت إليك فأنا أخاف أن تراك ، فقال عليه السلام : " إنها لا تراني " وقرأ : * ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ) * وقالت لأبي بكر : قد ذكر لي أن صاحبك هجاني ، فقال أبو بكر : لا ورب هذا البيت ما هجاك ، فولت وهي تقول : قد علمت قريش أني بنت سيدها وفي هذه الحكاية أبحاث : الأول : كيف جاز في أم جميل أن لا ترى الرسول ، وترى أبا بكر والمكان واحد ؟ الجواب : أما على قول أصحابنا فالسؤال زائل ، لأن عند حصول الشرائط يكون الإدراك جائزاً لا واجباً ، فإن خلق الله الإدراك رأى وإلا فلا ، وأما المعتزلة فذكروا فيه وجوهاً أحدها : لعله عليه السلام أعرض وجهه عنها وولاها ظهره ، ثم إنها كانت لغاية غضبها لم تفتش ، أو لأن الله ألقى في قلبها خوفاً ، فصار ذلك صارفاً لها عن النظر وثانيها : لعل الله تعالى ألقى شبه إنسان آخر على الرسول ، كما فعل ذلك بعيسى وثالثها : لعل الله تعالى حول شعاع بصرها عن ذلك السمت حتى أنها ما رأته . واعلم أن الإشكال على الوجوه الثلاثة لازم ، لأن بهذه الوجوه عرفنا أنه يمكن أن يكون الشيء حاضر ولا نراه ، وإذا جوزنا ذلك فلم لا يجوز أن يكون عندنا فيلات وبوقات ، ولا نراها ولا نسمعها . البحث الثاني : أن أبا بكر حلف أنه ما هجاك ، وهذا من باب المعاريض ، لأن القرآن لا يسمى هجواً ، ولأنه كلام الله لا كلام الرسول ، فدلت هذه الحكاية على جواز المعاريض .